ميزان جولة: لبنان يخنقه الدولار

/

يعيش لبنان أزمة اقتصادية لم يشهدها من قبل، وقد بدأت ملامحها تظهر في آب/أغسطس عام 2019، مع بدء ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء. ومع اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، بدأ سعر الصرف يرتفع بسرعة، وذلك مع إقفال البنوك أبوابها، وعمليات إخراج الدولارات التي شهدتها البلاد في تلك الفترة، وقد وصل سعر الصرف إلى ما يقارب الـ 8000 ليرة مع نهاية عام 2020.

انهيار العملة انعكس على الواقع المعيشي، فارتفعت أسعار السلع والخدمات، وانخفضت القدرة الشرائية بحدود 80%، وفقدت قيمة مداخيل المواطنين، ووُضعت قيودٌ على السحوبات من المصارف فحُدّد سقف السحوبات بالدولار والليرة اللبنانية، واحتُجزت أموال المودعين.

فاقمت كورونا الأزمة، وبعدها انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس عام 2020 الذي أفقد البلاد آخر متنفس اقتصادي، ودمّر نصف العاصمة.

عمد مصرف لبنان إلى اعتماد سياسة دعم ثلاثة قطاعات للحؤول دون انهيار البلد وتوفير حاجيات الناس: قطاع الدواء والنفط والقمح. إلا أن الدعم أتى من الاحتياطي الإلزامي في المصرف، أي أموال المودعين.

خلفيات الأزمة

قبل اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، ازدهر الاقتصاد اللبناني، وشكل قطاع الخدمات 70% من حصة الاقتصاد، فيما شكّل قطاعا الزراعة والصناعة 30% منه. الحرب عززت أزمات الاقتصاد البنيوية، لتأتي مرحلة ما بعد الحرب التي عرفت بـ “إعادة الإعمار” فتعمق أزمة الاقتصاد عوضاً عن إصلاحه.

ارتكزت السياسة المالية بعد اتفاق الطائف على استدانة الدولة من المصارف، وخفضت الضرائب على الأرباح والأجور من 29% إلى 10%. تم ربط الليرة بالدولار بقيمة 1515 لإعطاء ضمانات للودائع المتدفقة، بعد انهيار سعر الصرف عام 1992، وارتفعت الفائدة على الليرة وبيعت سندات الخزينة بالليرة بفائدة 43%، مع تشجيع على الاستثمار، واتجه المواطنون للاستدانة لشراء سيارات وبيوت وحتى لإجراء عمليات التجميل. شهدت هذه الفترة مضاربات عقارية معفاة من أي ضريبة.

ومن سنة 1996 حتى 2008 جمدت الأجور مقابل ارتفاع كبير بغلاء المعيشة، كل ذلك بإطار اقتصادي غير منتج، وارتفاع الدين العام، وارتفاع نسبة البطالة والفقر، وتدمير البنى التحتية، وهجرة الشباب، وباتت ثلث اليد العاملة اللبنانية في الخارج.

اليوم، من أصل 3 ملايين حساب بالمصارف، هناك 24 ألف حساب تعود لهم 52% من مجمل الودائع، يعني بحدود 85 مليار دولار، وبات هناك تراكم لودائع المصارف وبات يبلغ حجمها حالياً 250 مليار دولار.

كان الناتج المحلي عام 2000 يبلغ 14.7 مليار دولار، وارتفع عاماً بعد عام ووصل إلى 19.2 مليار دولار عام 2005، و31.7 مليار دولار، وتابع ارتفاعه في خضم الأزمة الرأسمالية العالمية حتى وصل إلى 45.4 مليار دولار وإلى 55.5 مليار دولار عام 2013، بحسب البنك الدولي. فيما كان معدل النمو في لبنان عام 2010 يبلغ 7%، و3% عام 2011، و12.6% عام 2012.

التضخم المالي ارتفع من 0.071% عام 1980، إلى 18% عام 1990 وإلى 99% عام 2009. فيما ارتفعت قيمة العملة من 3.43 ليرة للدولار عام 1980، إلى 1507.48 ليرة عام 2011. في المقابل ارتفعت نسبة البطالة من 8.5% عام 1997 إلى 14% عام 2007.

وبحسب الاقتصادي توفيق كسبار : “لا تأخذ هذه الأرقام بالاعتبار وضع البطالة الحقيقية، بسبب امتناع عدد كبير من المجيبين في الدراسات الاستقصائية حول وضع الاقتصادي توفيق كسبار عن الإقرار بأنهم عاطلون من العمل، نظراً إلى الوصمة الاجتماعية التي يُعتقَد أنها تترافق مع البطالة. ثم إن معظم العاملين هم ظرفيّون أو مؤقّتون (نحو 36% منهم يعملون في القطاع الخاص عام 1997)، ما يسلّط الضوء على العدد الكبير للعاطلين من العمل في لبنان. ومما لا شك فيه أنّ معدل البطالة كان ليسجّل مستويات أعلى لولا الهجرة للعمل في الخارج”.