جولة نسوية: حرية أجساد النساء على الشاطئ

/

يبدو بسيطاً ما تحتاجه النساء لارتياد الشاطئ: ثوب سباحة، وقاية من أشعة الشمس، منشفة، نظّارات شمسية، قبعة ربّما، القليل من الثقة، وتخطّي عقدة جسم البحر beach body . خلال الأسبوع الفائت انتشرت على تطبيق إنستغرام صورٌ تظهر عارضات فيكتوريا سيكريت قبل خضوعها للتعديل، فظهرت الـ stretch marks والسيلوليت على أجسام العارضات، في محاولة للايضاح للنساء، وتحديداً المراهقات أن جسد النساء لا يخلو من هذه العلامات، ولا يجب الخجل منها.

في الوقت نفسه ما زالت العديد من المجتمعات تقول للنساء: “إن لم تتمتّعنَ بجسد منحوت ، لا يمكنكنّ ارتياد الشاطئ، فهناك من ينظر ولا يجب أن يرى أمراً بشعاً”. وعليه، فالنساء اللواتي تخطّين الخمسين أو الممتلئات غير مؤهلات للسباحة، ويجب عليهنّ نسيان الشمس والمياه، والبقاء مختبئات بين جدران منازلهنّ. بالإضافة إلى الكثير من الملاحظات اليومية حول أجسامهن وأحجامهن ومظهرهن، يتكدّس هذا الميراث الثقيل فوق كاهل النساء.

في كتابها الجنس الآخر، طرحت سيمون دو بوفوار تاريخ حياة النساء وتاريخ سلوك المجتمع تجاه المرأة وجسدها. طرحت دو بوفوار السؤال الأساسي للتجسيد النسائي: هل العيوب المفترضة للجسد الأنثوي هي عيوب فعلية موجودة بموضوعية في جميع المجتمعات، أم أنّها تعتبر مجرد عيب داخل مجتمعنا؟ قدّمت جواباً، عبر دراسة حالات متعدّدة لمراحل عدة لحياة النساء. في هذه الدراسات، ظهر جسد النساء تارة بصورة إيجابية، وطوراً بصورةٍ أخرى سلبية. فالنساء، إن امتلكن حريتهن أو كنّ مقموعات، يكون الجسد في هذا الموقع الملتبس، حيث يمكنه أن يكون وسيلةً لتحرُرهن أو وسيلة يشعرن بالقمع من خلالها.

لا توجد حقيقة جوهرية للمسألة، فهي تعتمد على المدى الذي ترى فيه النساء أنفسهن موضوعاً حرّاً، عوضَ عن كونهن غرضاً قابلاً للتحليل من قِبل المجتمع. وهذا الأمر، وبالرغم من سهولة قوله، فهو من أصعب ما يمكن تطبيقه، خاصة في مجتمع ربّى أفراده على التفكير برأي الآخرين أولاً.

في بعض الحالات تشعر الفتيات بالرضا عن أجسادهن، بحبهن لأجسادهن، والافتخار بها، لكن هذا يعتمد على هامش الحرية الذي يتمتعن به من جهة، وعلى تطابق الأجساد تلك مع مقاييس المجتمع. تشير دو بوفوار إلى أن حرية النساء تحتاج إلى مساحة خارج نظرتهن، أي أن لا حرية للنساء بالنظر إلى أجسادهن بعيونهن فقط، لأن نظرات الرجال هي التي تسيطر على مساحتهن وتحدّد قبول الأجساد تلك أو عدمه.

حين نسير في غابة مثلاً ودون أشخاص حولنا، بإمكاننا حينها أن نشعر بالسعادة والحرية في أجسادنا، حرية نفتقدها في المجتمع: لا ننظر إلى أنفسنا في عيون منتقدينا، ونصبح أحراراً بتحديد قيمة جسدنا. لكن لا يمكننا الهرب دائماً إلى الغابة. لا بدّ من العودة إلى المختبر اليومي للعلاقات في المجتمع الذكوري.

الجدار الصلب الذي بُني على أنقاض أجيال بأفكارها وتقاليدها وأعرافها، لن يسقط إن بقينا نختبىء وراءه. يقول إميل سيوران: “لماذا ننسحب ونغادر اللعبة، ما دام في وسعنا أن نخيّب ظنّ المزيد من الكائنات؟”. عندما تغدو النساء مقتنعات تماماً بأن أجسادهنّ لا ترتقي للذوق العام، يتوقفن عن القيام بأمور يعتقدن أنها باتت محرّمة عليهن، ومنها ارتياد الشاطئ.

النساء المتقدّمات في السن، بحسب دو بوفوار “عازمات على الكفاح على سوء الحظ الذي يشوّههن بشكلٍ غامض ويغيّر شكلهن”. في الوقت عينه بات “بمقدورهن أن يسمحن لأنفسهن بتحدّي الموضة وما سيقوله الناس، فهنّ تحرّرن من الالتزامات الاجتماعية، والحِمية الغذائية، والحاجة للاهتمام بجمالهن”. تشابك الجسد مع العقل يساعد على فهم تنميط النساء في المجتمع واختزالهن والتعدّي على حريتهنّ بأجسادهنّ. على عكس الفكرة السائدة، فهنّ لا يخترن التفكير السلبي بأجسادهن وتطورها، بل هنّ مجبورات على فعل ذلك كنتيجة الحكم عليهن في مجتمع ذكوري معادٍ لأجسادهن.

“نحن لا نولد نساءً بل نغدو كذلك”، تقول دوبوفوار. نغدو كذلك عندما ندرك أن الجسد الذي نعيش فيه لا يخضع إلا لنا، وفي أبسط تجلٍّ، من لامبالاة النساء مثلاً في حرية النساء وتقبّل أي تحوّل طرأ عليها: فعندها، إن كنّ راغبات في ارتياد الشاطئ، لن تلفظهنّ المياه إن لم يكنّ من ملائكة فيكتوريا.