جولة نسوية: الضغط المجتمعي لجمال النساء

/

معاناتنا اليومية تحوّلنا إلى نسويات دون أن نقرأ أو نغوص في تاريخ الحركة النسوية في العالم. هي تلك اللحظات التي تشعرين فيها بأنك تعريتِ تماماً في نظرات أحدهم، وتستطيعين معرفة إلى حدٍّ ما، ما يجول في رأسه من أفكار جنسية. تحارين بين أن تمقتيه أو تمقتي نفسك، أو تشتمي الواقع بكل تعقيداته الذي يتيح المجال لكل أنواع الإهانة الجنسية لأيّ إمرأة. يمكن أن تصرخي أو تضربيه فتتحولين إلى “مسترجلة”، ويمكن أن تسكتي فتبدين إما خجولة أو راضية، وهنا المشكلة الكبرى. في كلتا الحالتين ستتحملين تبعات تعكّر المزاج الذكوري.

ما تواجهه النساء يرتبط بشكلٍ أساسي بكونها امرأة، ككائن “ضعيف” تحتاج لتوجيه الرجل، تقبع تحت سلطة إرث قولب نظرة المرأة إلى نفسها ونظرة المجتمع لها وكيفية تحكمه بتصرفاتها. أن نغدو نساء، كما قالت سيمون دو بوفوار، عملية غير مرتبطة بالفكرة السطحية المختصرة في الشكل البيولوجي أو بالتحصيل العلمي، بل تتعداها لفهم الأدوار الاجتماعية التي ترسّخ مفهوم الأنوثة عند الفتاة لتغدو عروساً مستقبلية. فالأنوثة ليست معطى بيولوجيّاً، بل هي أداة قمع وتأطير لهوية النساء، وتوقع مسبق لماهية دورهن.

النظرة العامة المتوارثة تجبر النساء على أن يتمتعن بمظهرٍ معيّن ليصنّفن جميلات. وإن كانت إحدى الفتيات تتمتع بنسبة جمال، تقبع منذ صغرها تحت ضغط مجتمع يتوقع منها أن تبقى جميلة، وهي بصراعٍ دائم، دون أن تعي، لتثبت للعائلة والأقارب أولاً، ثم المجتمع أنها ستبقى جميلة، وبالتالي مقبولة اجتماعياً. فيما معايير الجمال تختلف من عصرٍ إلى آخر، وبين مجتمعٍ وآخر. إلا أن نساء يبقين مهووسات بالتمتع بهذه المواصفات لإعجاب الرجال، فيوضعن منذ الصغر في منافسة فيما بينهن، ذلك أن الرجل هو من يختار المرأة. هنا تأتي مسابقات الجمال لتثبت إحداهن تفوقها جمالاً على الأخريات.

نحن نرى أنفسنا بأعين الرجل. إن أجمع الذوق العام على أن امرأة متوسطة الجمال أو بشعة، فهي بالتالي تتحدث في مواضيع حساسة للفت أنظار الرجال. وإن كانت جميلة فهي تتعدى على مجال ليس لها، وعليها الاكتفاء بعرض الأزياء والثياب ومساحيق التجميل. وإن أبت التراجع تُهدَّد بالعقاب الجنسي، أو الاغتصاب، لتعود إلى مكانها الدوني كأنثى. حتى إن أراد البعض الوقوف إلى جانب النساء، يأتي كنوع من الثناء على مظهرها الخارجي لكونها أجمل من أن تُقابل بهذا النوع من الإهانات. وإذا كانت متوسطة الجمال فهذا يبرّر الهجوم، أو توصف بـ “أخت الرجال”.

تريدين التحليق، لكنهم سيعملون جاهدين لإبقائك على الأرض أو فيها. سيضعونك في القاع، ويقولون لك: “إن مهمتك الأساسية كأنثى الإنجاب ، فاثبتي للمجتمع أنك امرأة كاملة وتكاثري”. يمكنك رفض الأمر، والإصرار على التحليق، وإن أردت الإنجاب، افعلي ذلك، وإن أردت الابتعاد، فابتعدي. اقطعي المحيطات والقارات، واصعدي إلى الفضاء. اصعدي إلى فوق وانظري إليهم من بعيد. شاهدي كم هم صغار وضعفاء من فوق. انظري إلى هشاشتهم وخبثهم. راقبي مللهم، واضحكي، واكملي طريقك إلى فوق. ارمي حبالاً لتصحبي معك نساءً ورجالاً فهموا أن هذا القعر ليس مكانهم.

أمام سنين من القهر والتهميش، أتت ردة فعل النساء تجاه من يظهر صاحب امتياز وقوة، الرجل. كما أن الأدوار الاجتماعية وضعت النساء في موقع الضعف، ووضعت الرجال في موقع القوة. لكن فهم أساس المشكلة يضع القضايا النسوية في موقع أكثر علمية، ويسهل تفكيك جذور النظام البطريركي.

ليست النسوية عملية نقل النساء من قفصٍ إلى آخر، وتحديد معايير لها على أنقاض المعايير الذكورية، أي رفض المفهوم الأنثوي كمعطى مركب اجتماعياً ليس شرطاً نسوياً، وحكماً تبني صفات الذكورة ليس أساساً في النسوية . رفض الأدوار الاجتماعية المفروضة على حياة النساء، لا يمهد لأدوار جديدة، إذ يجب تدمير كل ما هو “مفروض” و”جامد”. الإطار الجامد الذي تسعى بعض النسويات إلى فرضه، من خلفية تدمير الأبوية وثقافاتها، يخلق إطاراً جديداً يقيّد النساء، في وقتٍ يختلف هامش الحرية عند النساء، وتختلف ظروفهن، وأي إطار نسوي هو قمع آخر للنساء. من السهل الدعوة إلى النساء بصيغة الأمر: “كوني حرة”، خاصة لمن تمتلك امتياز القرار والحرية، في وقت علينا التوجه إلى الأكثر قمعاً وتهميشاً بخطاب يدرك مسبقاً الجحيم الذي تعيشه النساء، ومدى إمكانيتهن على إيجاد متنفس صغير للحرية.