جولة نسوية: تحقير النساء والضغط الجنسي

/

تذكر الأناجيل الأربعة، متى، مرقس، لوقا ويوحنا، قصة مريم المجدلية، دوت ذكر اسمها، يوم قدمت إلى بيت أحد الفريسيين الذي كان يستضيف السيد المسيح، وبيدها قارورة طيب، ووضعت نفسها أمام قدمي المسيح باكية، طالبةً المغفرة عن خطاياها. قَبِلَ المسيح توبتها وغفر لها خطاياها، ولم يعدّها امرأة خاطئة.

ويوم تجمع الأهالي حولها متهمينها بالفسق، وهم يحملون حجارة ويهاجمونها، ردّ المسيح على المضطهدين قائلاً: “من منكم بلا خطيئة فليرمِها بأوّل حجر”.

وقف السيد المسيح أمام امراة ضعيفة، غفر خطاياها، وتفهم واقعها. ورغم ذلك، يسهل على المجتمع وسم النساء بسبب لباسهنّ ، ونمط حياتهنّ، حتى اللواتي لجأن للعمل في الدعارة يُحتَقرن دون فهم البعد الاجتماعي والاقتصادي والنفسي لهنّ.

في فيلم مالينا، تلعب مونيكا بيلوتشي، دور امرأة جميلة من صقلية، رحل زوجها إلى شمال أفريقيا للقتال إلى جانب الفاشيين. بقيت مالينا في قرية صقلية مع والدها، تعتاش مما يبعثه لها زوجها. يوم وصل خبر موت زوجها، بدأت الشائعات تطالها بأنها تقابل الرجال سراً، ووصل الخبر إلى والدها، فقام بطردها، ثم ما لبث أن توفي بقصف نازي على القرية.

بقيت مالينا وحدها دون معيل، ولم يقبل أحدٌ توظيفها، أو بيعها طعاماً دون مقابل جنسي، أو بالأحرى اغتصابها، فهي امرأة شابة وجميلة وأرملة.

رضخت مالينا. قصت شعرها. صبغته باللّون الأحمر. وقدمت نفسها أمام القرية كبائعة هوى. مع احتلال النازيين للقرية، أصبح الجنود الألمان من “زبائنها”. بعد انهزامهم، دخلت النسوة واقتدنها إلى الخارج، مزّقن ثيابها، قصصن شعرها، رمينها بحجارة، ووصفنها بالعاهرة والخائنة. حاولت بما تبقى لها من قوة أن ترحل من القرية، ليتبين أن زوجها لم يتوفّ بل أصيب، وأتى باحثاً عن زوجته. لم يجرؤ أحد على إخباره ما حدث لها، باستثناء الفتى الصغير الذي أغرم بها، فبعث له برسالة أخبره عن مكانها، لتعود مالينا بعد عام برفقة زوجها إلى القرية، وتستقبل باحترام وتنادى بالسيدة. فمع عودة رجلها، لم تعد تلك المرأة الوحيدة والأرملة، بل عادت زوجة لرجل.

هي عملية الثأر من امرأة وحيدة أمام مجتمع يستسهل المحاكمات الجماعية ذات البعد العاطفي، كما شرح ألبير كامو في مقاله “المقصلة”. إذ رأى أن القصاص الذي يعاقب دون أن يقي يسمّى، بالفعل، انتقاماً. هو فعل شبه حسابي يردُّ به المجتمع على من ينكث بشريعته الأولى. وهذا الفعل قديم قدم الإنسان: إنه قانون الثأر. فالقضية قضية عاطفة، عاطفة عنيفة جداً، لا قضية مبدأ.

مسار طويل يرمي النساء في دوامة الدعارة . الواقع يرمي بثقله الاقتصادي والاجتماعي على النساء، فتقسيم العمل التاريخي أعطى الرجل السلطة المالية، وبالتالي ملكية المرأة كما الأطفال. غياب الرجل، وغياب مقومات العمل للمرأة يدفعها إلى الدعارة. وغالباً ما ترتفع نسبة العاملات في مهنة البغاء في الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية حادة، أو في فترة الحروب، كما يجري اليوم في أماكن عدة مع اللاجئات.

في التعريف، تقوم الدعارة على تلقي النساء المال مقابل خدمات جنسية، لرجل واحد أو عدة رجال. في مفهوم الزواج التقليدي الأمر عينه يحصل، لكن بموافقة دينية وقانونية. في الحالتين تأخذ المرأة العاطلة عن العمل المال من رجل كي تعيش. وعليه تخضع الدعارة لقوانين السوق، أي العرض والطلب. فلا عرض دون طلب. وعليه تجريم مقدم الخدمة يجب أن يتبعه تجريم المستفيد منها، وكذلك الأمر عند التبرئة.

لكن ما الذي يقود النساء للعمل في الدعارة؟ طبعاً ليست النغمة الذكورية المنتشرة، بأنها ولدت “سيئة”، إذ لا دليل علميّاً على النظرية. وعليه، واقع أقوى من النساء رماهن في أيدي زبائن لا يرون فيهنّ سوى آلات جنسية.

في ظل عملية البيع والشراء القائمة في كل مجالات الحياة، يتم المتاجرة بالجسد النسائي علانية، وهو أمر لا يثير الدهشة عندما تفكر في أن طريقة الحياة البرجوازية بأكملها تقوم على البيع والشراء. هناك عنصر لا يمكن إنكاره من الاعتبارات المادية والاقتصادية، حتى الاعتبارات القانونية للزواج. الدعارة هي المخرج للمرأة التي لا تجد نفسها معيلة دائمة. يوفر البغاء، في ظل الرأسمالية، الفرصة للرجال لإقامة علاقات جنسية دون الاضطرار إلى تحمل مسؤولية رعاية ماديّة للنساء حتى القبر.

من يبعن الجنس عادة ما يفعلن ذلك لأن البدائل أسوأ. قد تكون الساعات والأجور أفضل من الحد الأدنى للأجور أو أكثر ملاءمة للالتزامات العائلية. في الأجور تصبح أسرع، نقداً، ويمكن أن يكون المال بمثابة شريان الحياة لتلك النساء اللواتي من المحتمل أن يواجهن تمييزاً رسمياً في التوظيف، بما في ذلك غير المسلمات، المهاجرات غير المصرح عنهنّ، والسجينات السابقات، وغيرهنّ.