سجال ساخن: كيف يربط الناس مصيرهم بالقائد؟

/

سعل نصر الله فقلق جمهوره، وتأهب الإعلام الإسرائيلي لتحليل المرض خلف العوارض. طوال خطابه في “عيد التحرير”، بدا منهكاً ونحيفاً ويتنفس بصعوبة، وقال: “أعتذر عن عدم ظهوري منذ يوم القدس وحتى اليوم لأنني كنت أعاني من سعال شديد، وكان يصعب علي أن أتكلم أو أخطب”.

تلعب تجربة بافلوف المثال الأبرز حول علاقة الشعوب بالزعيم، إذ يستطيع هذا الأخير بتحديد ردة فعل الجمهور على أي حركة يقوم بها، مثل رنة الجرس قبل الهرولة إلى تناول الطعام، وإن لم يتوفر الطعام. هذا اللعب على الغرائز، جعل الناس تقدس وتؤلّه شخصيات، دون أي نقد، رغم الخسارة والأخطاء المرتكبة.

لقب الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بـ “حبيب الملايين”، وكان رحيله نكسة للوطن العربي، خاصة الشعب المصري. كان عبد الناصر إلهاً بالنسبة للناس، رغم أنه خسر حربه ضد إسرائيل ، وفشل في القيام بالوحدة العربية، وقمع الإعلام والمفكرين، وألقى القبض على المعارضين. وكان لتأميم قناة السويس عام 1956، الدور الأكبر في شعبية عبد الناصر، إذ اعتبرت خطوة تحدٍ للدول الغربية التي سحبت تمويل سد النهضة العالي الذي كان عبد الناصر يخطط لبنائه. ردّاً على خطوته، قامت بريطانيا، وفرنسا، وإسرائيل باحتلال سيناء، لتعود وتنسحب تحت الضغط الدولي. استقال بعد هزيمة 1967، ليعود عن استقالته بسبب الضغط الشعبي.

حضر جنازته خمسة ملايين شخص، إضافة إلى جميع رؤساء الدول العربية، باستثناء العاهل السعودي الملك فيصل. بكى الملك حسين ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وأغمي على معمر القذافي. كما حضر التشييع رئيس الوزراء السوفيتي أليكسي كوسيغين ورئيس الوزراء الفرنسي جاك شابان دلماس.

هتف المشيعون: “لا إله إلا الله، ناصر هو حبيب الله… كلنا ناصر”، وبكى الجميع، رجالاً ونساءً وأطفالاً، وعمّ الصراخ الشوارع لحظة إعلان وفاته. كان حزن الجمهور كبيراً جدّاً، حتى إن الشرطة لم تستطع ضبط الوضع، مما أدى إلى إجلاء معظم الشخصيات الأجنبية.

لفّ الحِداد الوطن العربي، ونزلت الشعوب العربية في مسيرات، ونظم التنظيم الشعبي الفلسطيني مسيرة مسلحة للفدائيين الفلسطينيين في طرابلس، لبنان. كما انطلقت مسيرة ضخمة في بيروت، مات خلالها أكثر من عشرة أشخاص نتيجة الفوضى. وفي القدس هتف ما يقارب 75,000 شخص في البلدة القديمة: “ناصر لن يموت أبداً”.

حُزنُ الناس على عبد الناصر، هو حزنهم على أنفسهم، نعوا حالهم فيه، فقد رأوا حاضرهم ومستقبلهم فيه. الشعوب العربية تبحث بشكلٍ دائمٍ عن الزعيم وتقدسه، لقلة حيلتها، واقتناعها بأن هناك قوى غربية تتحكم بمصيرها، لأنها غير قادرة على تغيير الواقع. فكان عبد الناصر، ومن ثمّ نصر الله

. يصدق الناس هذه الشخصيات لأنها أثبتت صدقها في محطات، لتغدو معصومة عن الخطأ والنقد. التبعية العمياء تجعل الزعماء في حرية تامة لقول وفعل ما يرونه مناسباً.

بحسب بروفسور علم النفس رونالد إي ريجيو، تتبع الناس الزعماء بناء على عدة عوامل نفسية:

  • تفضيل القادة الأقوياء: يريد الجميع قادة أقوياء وواثقين، لكن غالباً يخلط بين الغطرسة والنرجسية من أجل القوة. ومعظم هؤلاء يفشلون لأنهم يتجاهلون مشورة الآخرين ونصائحهم ولا يتعلمون من أخطائهم. القادة العظام يمتلكون التواضع. يسعون للحصول على آراء الآخرين لأنهم يدركون حدودهم. علاوة على ذلك، هم يسعون باستمرار للتحسين وليصبحوا قادة أفضل.
  • نحن ضحايا لاختصاراتنا العقلية: الاستدلال هو ما يسميه علماء النفس الاختصارات العقلية التي نستخدمها حتى لا نضطر إلى التفكير والتحليل كثيراً (لدينا ميل نحو “الكسل المعرفي”). أحد أسباب السماح للقادة السيئين بالبقاء في السلطة أو إعادة انتخابهم هو أننا نستخدم عدداً من الطرق العقلية المختصرة ونخدع أنفسنا للاعتقاد بأن القائد السيئ “جيدٌ حقًاً”.
  • مساواة الفعالية بكون القائد جيداً: للنتائج أهمية كبيرة عند الجماهير، ولكن غالباً ما يصرف النظر في كيفية الحصول على هذه النتائج (أي “الغاية تبرر الوسيلة”). يمكن أن يحقق القادة السيئون نتائج (أو يتمتعون بسمعة طيبة في تحقيق النتائج)، لكنهم يفعلون ذلك من خلال السلوك السيئ، كالاستفادة من الآخرين، والاستفادة من عمل الآخرين، وأشكال الاستغلال الأخرى، وما إلى ذلك.
  • ذوبان قوة القائد بقوة الناس عبر الاتحاد: نود أن نكون في الجانب الفائز، ونحن على استعداد لدعم القادة السيئين إذا حصلنا على ما نريد منهم. في كتابها عن القيادة السامة، تقترح الدكتورة جان ليبمان- بلومن أن الأتباع يمكّنون القادة السيئين ويساعدونهم لأنّ الأمر يمنحهم إحساسًا بالقوة. الأتباع السيئون ينجذبون إلى القادة السيئين لأنهم يستطيعون تقاسم السلطة.