ميزان جولة: لماذا نحب؟

/

كُتبت سطور ونظمت أشعار وصرفت الملايين على أفلام ومسلسلات عن الحب. الجميع يدعي معرفته ومعرفة أسبابه. يقال هو شعور، وهو محرك الثوابت. لكن ما ومن نحب يختلف مع تقدمنا في السن. وفي عودة إلى أزمنة غابرة نرى أن معايير من هو محبوب قد اختلفت. يشرح المحلل النفسي إريك فروم في كتابه “فن الحب” الحبّ بأنّه ليس شعوراً مجرداً من أي عملية ذهنية، فهو بدرجة أساسية فن وعملية تتطلب جهداً وتراكماً، ويجب على الناس الاحتفال بالحب كل يوم كعمل محرِّر ومُثرٍ. الأشخاص الذين يتمكنون من تعلم الحب، بطريقة ناضجة وواعية، يفهمون أن الحب ليس امتلاكاً ولا ظروفاً. الحب هو رعاية ورغبة راسخة في تعزيز نمو كل من نحبهم.

معظمنا لم يتقن فن الحب. نحن بالأحرى مبتدئون لواقع نغوص فيه بالصدفة. في بعض الأحيان يقتصر حبنا على الآخرين كالأطفال بدلاً من الكبار، وهذا بدوره يعود إلى ثقافتنا.

لقد تم تشكيلنا من خلال سلسلة من المعايير. جعلونا نرى الحب على أنه بناء من السحر والمثل. في مجتمعنا الحالي، لا تزال هناك فكرة “الحب اللطيف”، حيث يفترض بالرجال أن يسحروا النساء. نحب أن نعتقد أننا ضحايا سهام كيوبيد، وأن هذا الشغف الحقيقي هو ما اختبره عشاق شكسبير الأبديون في فيرونا. نعتقد أننا جميعاً مقدر لنا أن نحب شخصاً ما من خلال الخيوط الحمراء للقدر.

يتطلب تعلم الحب الممارسة والإتقان والعمل المستمر حيث لا يترك الجهد شيئاً للصدفة أو القدر. “الحب ليس شيئاً طبيعياً. بل يتطلب الانضباط والتركيز والصبر والإيمان والتغلب على النرجسية. .إنه ليس شعوراً، إنه ممارسة”، يقول فروم.

يبدأ الحب منا، أفراداً منعزلين. مع قدرتنا على التركيز على ذواتنا، على ما نحب ونكره. على ما نريده ونطمح له. أن نحب أنفسنا، منعاً للبحث عن نثرات حبٍ خارجنا، غالباً ما تتركنا فاقدين الأمل بالحب والحياة. فما نبحث عنه خارجنا، غالباً ما يكون وليد العصر .

نريد جميعاً أن نكون محبوبين. نتوق إلى أحد يعتني بنا، ويقدرنا، ويثني على أفعالنا. ومع ذلك، هناك شيء يجب أن نضعه في الاعتبار: الحب السلبي غير ناضج ولا يعمل. وهنا يفرّق فروم بين الحب الناضج وغير الناضج بقوله: الحب غير الناضج يقول: “أنا أحبك لأنني بحاجة إليك”. الحب الناضج يقول: “أنا بحاجة إليك لأنني أحبك”.

الحب فعلاً يهدف للراحة، إنه سيناريو نشط وحاضر. يجب أن نعتني ببعضنا البعض، ونحب بعضنا البعض، ونحترم بعضنا البعض. عندما يعرف شخص ما حقاً كيف يحب شخصاً آخر، فإنه يسمح له بالمشاركة. يعطي ويتلقى. ويظل جزءاً نشطًا من المشروع حيث يوجد دائماً نموّ روحيّ وعاطفيّ.

نحن في عملية بحث عن الشريك المثالي، الذي يتوافق مع جميع أحلامنا ورغباتنا. ونشعر بالقلق والإحباط لعدم عثورنا على “الحب الحقيقي”. بينما، في الواقع، لا نعرف حتى ما إذا كنا على قدم المساواة للحفاظ عليه. نمتلئ أحياناً بالتركيبات الرومانسية لدرجة أننا نميل إلى تجاهل شيء بالغ الأهمية. الحب يتطلب العمل. من المهم بالنسبة لنا أن نعرف كيفية مواجهة التحديات التي تصاحب العلاقة الجيدة.

وتعلم الحب يعني معرفة كيفية التخلص من جميع الاحتياجات. كل من يسعى إلى علاقة رومانسية لملء أوجه القصور لديه سيشعر بعدم الرضا، لدرجة سينتهي به الأمر بقيادة الشخص الآخر إلى حالة عبودية دائمة. أما الحب فهو شكل من أشكال الطاقة. إنه دافع يشجعنا على التحرك والتعبير عن أنفسنا والإبداع. وعلينا أن نتذكر أن الحب شيء يجب أن نعيشه ونشكله. يتغذى الشغف الأصيل على المشاعر والنضج والتوازن، ويدرك أن أجمل عمل فني يتطلب العمل الجاد والتفاني.

الحب مثل الموسيقى واللوحات والنجارة والكتابة والهندسة المعمارية، يحتاج إلى فهم النظرية حتى نتمكن من إتقان الممارسة. تماماً مثل أي عمل إبداعي، سنجد طريقة للتغلب على كل صعوبة وتحدٍّ وعثرة في الطريق بكفاءة