جولة نسوية: خيار الأمومة

الأمومة ترمز إلى الحب دون مقابل، إلى العطاء المجاني والتحمل. في أبعاد هذه السمات، انعكاسات سلبية وقاسية على الواقع النفسي للنساء، تشبه إلى حدّ التطابق ماهية العلاقات السامة. هذا التعريف الاجتماعي للأمومة، والمسقط على النساء، يضعهن تحت ضغط يرافقهن منذ ولادتهنّ حتى مماتهنّ.

تحتم الأنظمة الذكورية على كل امرأة أن تكون أمّاً، و الأمومة مرتبطة فقط بالعنصر البيولوجي القادر على التكاثر. وهنا تغيب الرغبة الفردية لكلّ امراة في الإنجاب، وتقسم الجندر بين نساء ورجال بشكل عمودي، دون الاعتراف بما هو في الوسط من هويات جنسية، للمثليين والمتحولين وعابري الجنس… الرغبة في الأمومة، مثل الرغبة في الأبوة، وفي وقت لا يُفرَض واجب نفسي وعاطفي على الرجال عند الإنجاب، يُفرَض عليهم واجب مادي وسلطوي، يضع الرجال في صفة الجلاد والحاكم الظالم في المنزل، وبالتالي لا يطلب منه أي دور عاطفي، بل يتسم بالضعف عند إظهار عاطفة تجاه أطفاله.

اذاً مفهوم الأمومة غالباً ما يتم فرضه على النساء. وهذا الواجب تنقله الأمهات إلى البنات، عبر تثبيت فكرة الزواج والإنجاب طوال فترة نموهن، على اعتباره الدور المحوري في الحياة، كواجب طبيعي ولد معهنّ. كما يتم إعداد الشابات ليصبحن “أمهات مناسبات”، ماهراتٍ في مهمة رعاية الأطفال. وعندما تؤكد النساء موقفهن تجاه أمهاتهن لأنهن يرغبن في البقاء بلا أطفال أو من دون زواج، تُحارَب النساء على هذا القرار، ونادراً ما تلقى دعمَ العائلة، خاصّةً في الدول العربية.

ولا تزال النساء اللاتي يرفضن أن يصبحن أمهات يتعرضن للتحيّز لأنهن سحاقيات أو كارهات للأطفال أو غير محترمات للتعاليم الديني (يمكن أن يكنّ حقاً مثليات أو غير متدينات، وهنا تظهر مشكلة الضغط الذي يفرض على النساء نمط حياة لا يردنه).

يجب الإدراك هنا أنه في بعض الأحيان يكون الاختيار مجرد اختيار. هنّ لا يحتجن إلى تبرير ليتمّ احترامهن، وهنّ بالتأكيد لا يحتاجن إلى فهم أي شخص آخر ليكنّ صالحات. كما أن فكرة الأمومة تأخذ أشكالًا عديدة إلى جانب مجرد إحضار طفل إلى هذا العالم. حصر الولادة لأمهات بيولوجيات أو وراثيات يعكس رهاب المتحولين جنسياً، ويمكن أن يكون مؤذياً لمن يلجأن إلى وسائل أخرى كي يصبحن أمهات، مثل التبني أو تأجير الأرحام. أجساد النساء هي أجسادهن. وبالتالي، فإن تركهن يقررن ما هو الأفضل لهنّ هو بمثابة دفع كبير نحو التغيير. لا تؤدي القدرة على الإنجاب إلى امتلاك صفات الأمومة. ولا تولَد كلّ امرأة لتنجب .

في عصر النساء القويات في القوى العاملة، وتدمير القوالب النمطية الجنسانية والموقف الترحيبي تجاه المساواة الدينية والجنسية، لا يزال تجاهل رغبة الشابة في اتخاذ خيار عدم إنجاب الأطفال يثير الجدل. كثير من الشابات والنساء لا يردن الزواج وتكوين عائلة، وأخريات ليس لديهن رغبة بالإنجاب، ولا يسمعن دقات من “الساعة البيولوجية”. لا ينجذبن إلى رعاية الأطفال.

لا يوجد كتاب قواعد يحدد من يجب أو لا يجب أن يكون له أطفال. ليس من الغريب أن تختار المرأة أن تعيش حياتها دون أن تصبح أمّاً. نحن جميعاً مستقلون في اختياراتنا. نحن جميعاً صانعو مستقبلنا. لا تتجاهل احترام المرأة للأطفال. إنه ليس قراراً تم التوصل إليه بين عشية وضحاها، وليس من قبيل النزوة أن يتم احتساب أرواح متعددة. الأمومة قرار محسوب تعتمد عليه الحياة. هناك فرق شاسع بين أن تكون أماً وأن تكون امرأة. إنه قرار الاحترام وليس الحكم والتساؤل.